رب قائل يقول :ما الذي أثار هذه القضية بين المسلمين ؟ والجواب : أنه لم يكن بين الصحابة رضي الله عنهم أي خلاف في الامر بل ولا في غيره من مسائل أصول الدين وأساسياته , وانما الخلاف في ذلك نجم بعد هم ، وذر قرنه في أواخر زمانهم ،" والصحابة – رضي الله عنهم – كانوا أقل فتا من سائر من بعدهم ؛ فانه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والخلاف ، ولهذا لم تحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة ، فلما قتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان :بدعة الخوارج المكفرين لعلي ، وبدعة الرافضة المدعين لامامته وعصمته ، أو نبوته ، أو الاهيته .
ثم لما كان في آخر عصر الصحابة في امارة ابن الزبير وعبد الملك ؛ حدثت بدعة المرجئة و القدرية . ثم لما كان في أول عصر التابعين في أواخر الخلافة الاموية ؛ حدثت بدعة الجهمية المعطلة ، و المشبهة الممثلة ، ولو يكن على عهد الصحابة شيء من ذلك (1). وهكذا بدأت الفتن تتتابع ، ونار الأهواء تضطرم و تتفاقم ، فكثرت البدع في البدع في الأمة وفشت ، وتزايدت الفرق وكثرت ، حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق ص :" وستفرق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار الى واحدة "(2). ولا شك أن وراء تلك الفتن أناسا حاقدين على الأسلام وأهله ، يسوؤهم انتشار هذا الدين، ويغيظهم كثرة أهله ؛ فجهدوا في اضرام تلك النار ، وتفانوا في اشعالها ؛ أمثال عبدالله بن سبأ اليهودي ، والجعد بن درهم ، والجهم بن صفوان وغيرهم من رؤوس الضلال . فهذا سبب نشوء البدع بعموم . أما بدعة القول بعدم زيادة الايمان ونقصانه خاصة ؛ فسبب نشأتها يرجع الى بدعة الخوارج في تفكير مرتكب الكبيرة والحكم بخلوده يوم القيامة في نار جهنم ، فان هذه البدعة جرت وراءها بدعا ، وبيان ذلك أن الخوارج لما قالوا ببدعتهم احتجوا لها بنصوص الوعيد والتهديد ، وأهملوا ما يقابلها من نصوص الرجاء والثواب والمغفرة . فقابلتهم طائفة ببدعة أخرى فقالت : ان المعاصي ليس لها تأثير في الايمان ،فالايمان لا يضر معه ذنب ، كما أن الكفر لا ينفع معه طاعة ، واحتجوا لقولهم هذا بنصوص الوعد والرجاء ، وأهملوا نصوص الوعيد كلها، فقابلوا بدعة الحوارج ببدعة مثلها فجاءت المعتزلة وتوسطوا في الأمر حسب ظنهم ، فالوا : ان مرتكب الكبيرة يخرج من الايمان ، لكنه لا يدخل في الكفر ، بل يكون في منزلة بين المنزلتين ، أي : بين منزلة الايمان في الدنيا ، فأحدثوا بذلك بدعة ثالثة ، مع موافقتهم للخوارج في الحكم عليه بالخلود في النار .
فالمرجئة جعلوه في منزلة الايمان الكامل ، والخواردج جعلوه في منزلة الكفر الكامل ، والمعتزلة لم يجعلوه لا في الكفر ولا في الايمان ، فهذه ثلاث بدع . والحقيقة أن هذه البدع الثلاث عائدة الى اعتقاد الجميع - أي : الخوارج والعتزلة و المرجئة – أنه لا يجتمع مع الايمان شيء من الكفر أو شعب النفاق ، فان وجد شيء من ذلك انتفى الايمان كله عند الجميع . قال شيخ الاسلام :" والأصل الذي منه نشأ النزاع : اعتقاد من اعتقد أن من كان مؤمنا لم يكن معه شيء من الكفر ، وظن بعضهم أن هذا اجماع ، كما ذكر الأشعري أن هذا اجماع ؛ فهذا كان أصل الارجاء …. فلما كان هذا أصلهم صاروا حزبين . قالت الخوارج والمعتزلة : قد علمنا يقينا أن الأعمال من الايمان فمن تركها فقد ترك بعض الايمان ، واذا زال بعضه زال جميعه ؛ لأن الايمان لا يتبعض ، ولا يكون في العبد ايمان ونفاق ، فيكون أصحاب الذنوب مخلدين في النار ،اذ كان ليس معهم من الايمان شيء …". الى أن قال : " فقالت الجمهنية و المرجئة : قد علمنا أنه ليس يخلد في النار – أي مرتكب الكبيرة - ، وأنه ليس كافرا مرتدا ، بل هو من المسلمين ، واذا كان من المسلمين وجب أن يكون مؤمنا تام الايمان ، ليس معه بعض الايمان ؛ لأن الايمان عندهم لا يتبعض ؛ فاحتاجوا أن يجعلوا الايمان شيئا واحدا يشترك فيه جميع أهل القبلة (19)".
في ذكر هل الخلاف في هذه المسألة عائد الى الخلاف في تعريف الايمان أو لا ؟
ذهب جماعة من المتكلمين – منهم الرازي والجويني وغيرهما- الى أن الخلاف في مسألة زيادة الايمان ونقصانه عائد الى الخلاف في تعريف الايمان ، أي : أن الايمان اعتقاد وقول وعمل ؛ فالايمان عنده يزيد وينقص باعتبار زيادة الأعمال ونقصانها . ومن اخرج العمل من مسمى الايمان ؛ عنده لا يزيد ولا ينقص لعدم امكان حصول الزيادة والنقصان في التصديق، لما يقتضيه في رأيهم من الشك والريب (1). قال الجويني :" فمن أطلق اسم الايمان على الطاعات كلها ؛ يقول على مساق أصله : يزيد الايمان بزيادة الابمان بزيادة الطاعات وينقص بنقصها . ومن قال : الايمان هو













